منتدى أهل السنة و الجماعة السلفي الجزائري
اللهم صل و سلم على سيدنا محمد و على آله و صحبه اجمعين
مرحبا بك في (منتدى أهل الحديث والأثر السلفي الجزائري) على نهج السلف الصالح من الصحابة و التابعبن، منبر أهل السنة ، نرجوا أن تستفيد من المنتدى و تفيد الآخرين بمواضيعك ، فلربما تلك الحسنة التي زرعتها هي التي تنجيك يوم القيامة ، يوم لا ينفع مال و لابنون إلآ من أتى الله بقلب سليم
سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم

منتدى أهل السنة و الجماعة السلفي الجزائري

منتدى أهل الحديث والأثر السني السلفي الجزائري :عقيدة حديث فقه أصول الفقه سيرة لغات رياضيات فيزياء كيمياء طب بيولوجيا هندسة طيران إلكترونيك و غيرها من العلوم
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
تعلن إدارة المنتدى على عدم مسؤوليتها بخصوص الإشهارات التي تظهر في الصفحات

شاطر | 
 

 أهمية علم علل الحديث (مقالة للشيخ سعد بن عبد الله الحميد)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فريق إدارة المنتدى
إداري رئيسي
إداري رئيسي


عدد الرسائل : 1941
الموقع : moslim.3oloum.org
العمل/الترفيه : إعلاء كلمة الله و طلب العلم الشرعي
نقاط : 1307911
تاريخ التسجيل : 24/12/2008

مُساهمةموضوع: أهمية علم علل الحديث (مقالة للشيخ سعد بن عبد الله الحميد)   السبت 12 فبراير 2011 - 17:36

أَهَمِّيَّةُ عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلقد مَنَّ اللهُ على الأُمَّةِ المحمَّديةِ أنْ جعلها خيرَ الأمم،
ودينَها خاتَمَ الأديانِ وأكملَهَا، ونبيَّها خاتَمَ الأنبياءِ وأفضلَهم.
وتكفَّل اللهُ لهذه الأُمَّةِ بِحِفْظِ وَحْيها من التحريف والتبديل؛ فقال
سبحانه: [الحِجـر:9]، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ *}والذِّكْرُ هنا يَعُمُّ الكتابَ والسُّنَّة؛ لأنَّ
السنَّةَ وحيٌ منزَّلٌ من الله سبحانه؛ قال تعالى: [النّجْـم:3]{وَمَا
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *}، وهي المبيِّنة للقرآن، وسمَّاها الله ذكرًا؛
قال تعالى: [النّحـل:44]{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ، فلا
يمكن العملُ بالقرآن بمَعْزِل عن السنة؛ كعدد الصَّلوات في اليوم والليلة،
وعدد ركعات الصَّلاة، وصفة أدائها، وهكذا الزكاة، والحَجُّ، والصَّوم،
وغير ذلك، وهذا الذي جَعَلَ مكحولاً _ح يقول: القرآنُ أحوَجُ إلى
السُّنَّة من السنَّة إلى القُرآن[1].

وقال يحيى بن أبي كثير: السُّنَّة قاضيةٌ على الكتاب، وليس الكتابُ بقاضٍ على السنَّة[2].

وقال الفَضْل بن زياد: سمعتُ أحمدَ بن حنبل وسُئل عن هذا الحديث الذي
رُوي: أنَّ السُّنَّةَ قاضيةٌ على الكتاب؟ فقال: ما أجسُرُ على هذا أنْ
أقولَهُ، ولكنَّ السنَّةَ تفسِّر الكتاب، وتعرِّفُ الكتابَ وتبيِّنه[3].

وقال حَسَّان بن عَطيَّة: كان جبريلُ عليه السلام يَنْزِلُ على رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالسُّنَّة كما ينزل عليه بالقرآن، يعلِّمه إياها كما
يعلِّمه القرآن[4].

وقال إسماعيل بن عُبَيدالله: ينبغي لنا أن نَحْفَظَ حديثَ رسول الله صلى
الله عليه وسلم كما نحفَظُ القرآنَ؛ لأن الله تعالى يقول:
[الحَـشـر:7]{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [5].

وهذا هو الذي فهمه الصحابيُّ الجليلُ عبدالله بن مسعود رضي الله عنه حين
قال: «لَعَنَ اللهُ الواشمَاتِ والمُسْتَوْشِمَاتِ، والنَّامِصَاتِ
والمُتَنمِّصَاتِ، والمُتَفلِّجَاتِ للحُسْنِ، المُغيِّراتِ خَلْقَ
اللهِ»، فبلغ ذلك امرأةً من بني أَسَدٍ يقال لها: أُمُّ يعقوب، وكانتْ
تَقْرَأُ القرآنَ، فأتتْهُ فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك؛ أنك لعنتَ الواشمات
والمُسْتَوشمات، والمُتَنمِّصات، والمُتَفلِّجات للحُسْن، المغيِّراتِ
خَلْقَ الله ؟ فقال عبدالله: وما لي لا ألعَنُ مَنْ لَعَنَ رسولُ الله صلى
الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله؟! فقالت المرأة: لقد قرأتُ ما بين
لَوْحَيِ المصحفِ فما وجدتُّهُ، فقال: لئنْ كنتِ قرأتِيهِ لقد
وجَدتِّيهِ[6]؛ قال الله عزَّ وجلَّ: [الحَـشـر:7]{وَمَا آتَاكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} . فقالتِ
المرأةُ: فإني أرى شيئًا مِنْ هذا على امرأتِكَ الآنَ، قال: اذهبي
فانظُري، فدخلَتْ على امرأةِ عبدالله، فلم تَرَ شيئًا، فجاءتْ إليه
فقالتْ: ما رأيتُ شيئًا، فقال: أَمَا لو كان ذلك لم نُجامِعْها[7].

وكما أنَّ اللهَ سبحانه ابتَلَى آدَمَ وذريَّتَهُ بالإهباطِ إلى الأرض،
وبِمَكْرِ الشيطانِ وكَيْدِهِ لهم لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعه ممَّن يَعْصيه،
وهو القادر سبحانه على أن يجعلَهُمْ كلَّهم عاملين بطاعته؛ كما قال تعالى:
[السَّجـدَة:13]{وَلَوْ شِئْنَا لآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا
وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَِمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *} ؛ فإنه كذلك ابتلى الأمَّةَ المحمَّديةَ
بطريقةِ نقل السُّنَّة النبوية وروايتها، فمِنَ المعلوم أنَّ السُّنَّة لم
تُدَوَّنْ في عصر النبوَّة والخلفاءِ الراشدين كما دُوِّن القرآن؛ لأسبابٍ
يطولُ ذِكْرُها[8]؛ من أهمِّها: طولُ الفترة التي يلزمُهُمْ فيها تدوينُ
كُلِّ ما يَصْدُرُ عنه صلى الله عليه وسلم مِنْ أقوالٍ، وأفعال، وتقريرات،
وهي ثلاثٌ وعشرون سنة، مع قِلَّةِ الكَتَبة، ونُدْرَةِ أدواتِ الكتابة،
على نحوٍ يَصْعُبُ معه - بل يستحيلُ - كتابةُ كُلِّ ما يَصْدُرُ عنه صلى
الله عليه وسلم طيلةَ هذه الفترة على أكتافِ الإبل، والألواح، وعُسُبِ
النخل، والحجارةِ؛ فهذه هي الأدواتُ التي كانوا يَكْتُبون عليها، أما
الجُلود فنادرةٌ، وأما الوَرَقُ فمعدومٌ.

وكما أنَّ الصِّراعَ بين الشيطان وبني آدم قائمٌ منذ أنْ أُهْبِطَ آدَمُ
إلى الأرض، فالصِّراعُ كذلك موجودٌ بين علماء الحديث وأعداء السُّنَّة،
وقد تمخَّض هذا الصِّراع عن تلك الجُهُود التي بذلها العلماءُ لحمايةِ
جَنَابِ السُّنَّة، وذَبِّ الكذبِ عنها والدَّخيلِ عليها، وتتمثَّلُ في
أمور عديدة، من أهمِّها: نَشْأَةُ الإسناد، وعِلْمُ الجرح والتعديل
والكلامُ في الرواةِ جَرْحًا وتعديلاً، ومعرفةُ التاريخِ الذي يَسْتبِينُ
به صدقُ الرواةِ وكذبُهم، واتصالُ الأسانيدِ وانقطاعُهَا، وعِلْمُ مصطلح
الحديث، والمصنَّفاتُ في صحيحِ السُّنَّة وضعيفها، وغيرُ ذلك كثير؛ ومن
أشهره: معرفةُ عِلَلِ الحديثِ الذي هو موضوعُ كتابنا هذا.

ومع أنَّ مدارَ معرفةِ الصحيح من السَّقيم من الحديثِ: على الإسناد الذي
قالوا عنه: إنه مِنَ الدِّين[9]، والنظرُ في الإسنادِ يكونُ في اتصالِهِ
وثِقَةِ رجاله؛ إلا أنَّ المحدِّثين وضعوا نُصْبَ أعينهم أمرًا آخَرَ، وهو
أنَّ الثقةَ قد يَهِمُ، وربَّما دَخَلَ في دِينِ الله ما ليس منه بسببِ
أوهامِ الثقاتِ الذين يُظَنُّ بهم الظَّنُّ الحسن؛ فَمِنْ هنا نشأ عِلْمُ
عِلَلِ الحديث الذي يُعْنَى أولَ ما يُعْنَى بأوهامِ الثقات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية[10]: «والمقصودُ هنا أنَّ تَعَدُّدَ الطُّرُق -
مع عدمِ التشاعرِ أو الاتفاقِ في العادة - يُوجِبُ العلمَ بمضمون المنقول،
لكنَّ هذا يُنتفَعُ به كثيرًا في عِلْمِ أحوال الناقلين، وفى مثل هذا
يُنتفَعُ برواية المجهول، والسيِّئ الحفظ، وبالحديثِ المُرْسَل، ونحوِ
ذلك. ولهذا كان أهلُ العلم يَكْتُبون مثلَ هذه الأحاديث ويقولون: إنه
يَصْلُحُ للشواهدِ والاعتبارِ ما لا يَصْلُحُ لغيره؛ قال أحمد: قد أكتُبُ
حديثَ الرجلِ لأعتبرَهُ....

وكما أنهم يَسْتَشهدونَ ويَعْتبرونَ بحديثِ الذي فيه سوءُ حفظ، فإنهم
أيضًا يضعِّفون مِنْ حديثِ الثقة الصدوقِ الضابطِ أشياءَ تبيَّن لهم أنه
غَلِطَ فيها، بأمورٍ يستدلُّون بها، ويسمُّون هذا: «عِلْمَ عِلَلِ
الحديث»، وهو مِنْ أشرفِ علومهم، بحيثُ يكونُ الحديثُ قد رواه ثقةٌ ضابطٌ
وغَلِطَ فيه، وغَلَطُهُ فيه عُرِفَ إما بسببٍ ظاهرٍ [أو خفيٍّ][11]؛ كما
عَرَفُوا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تزوَّج ميمونةَ وهو حلال، وأنه
صلَّى في البيت ركعتين، وجعلوا روايةَ ابنِ عباس- لتزوُّجِها حرامًا،
ولكونِهِ لم يُصَلِّ - مما وقَعَ فيه الغَلَطُ... .

والناسُ في هذا الباب طرفانِ: طَرَفٌ مِنْ أهلِ الكلام ونحوهم ممَّن هو
بعيدٌ عن معرفةِ الحديثِ وأهله، لا يُميِّز بين الصحيحِ والضعيف، فيَشُكُّ
في صحةِ أحاديثَ، أو في القَطْعِ بها، مع كونها معلومةً مقطوعًا بها عند
أهلِ العِلْمِ به. وطَرَفٌ ممن يدَّعي اتباعَ الحديثِ والعَمَلَ به ؛
كلَّما وجَدَ لفظًا في حديثٍ قد رواه ثقةٌ، أو رأى حديثًا بإسنادٍ ظاهرُهُ
الصحةُ، يريدُ أن يَجْعَلَ ذلك مِنْ جنسِ ما جزَمَ أهلُ العلم بصحَّته،
حتى إذا عارَضَ الصحيحَ المعروفَ، أخَذَ يتكلَّفُ له التأويلاتِ الباردةَ،
أو يجعلُهُ دليلاً له في مسائلِ العلم، مع أنَّ أهلَ العلم بالحديثِ
يَعْرِفون أنَّ مثلَ هذا غَلَطٌ».اهـ.

وقال ابن القيِّم[12]- في كلامه على حديث: «قَضى باليَمِينِ مع الشَّاهد»،
والرَّدِّ على من أعلَّه -: «وهذه العللُ وأمثالها تَعَنُّتٌ لا تُتْرَكُ
لها الأحاديثُ الثابتةُ، ولو تُرِكَتِ السننُ بمثلها لَوُجِدَ السبيلُ إلى
تَرْكِ عامَّةِ الأحاديثِ الصحيحةِ الثابتة بمثلِ هذه الخَيَالات. وهذه
الطريقُ في مقابلها طريقُ الأصوليين وأكثرِ الفقهاء: أنهم لا يَلْتَفتون
إلى علَّةٍ للحديثِ إذا سَلِمَتْ طريقٌ من الطرق منها، فإذا وَصَله ثقةٌ
أو رَفَعه لا يبالون بخلافِ مَنْ خالفه ولو كَثُروا. والصوابُ في ذلك:
طريقةُ أئمة هذا الشأن، العالمين به وبِعِلَلِهِ؛ وهو النَّظَرُ
والتَّمَهُّر في العلل، والنظر في الواقفين والرافعين، والمُرْسِلين
والواصلين: أنهم أَكْثَرُ، وأوثقُ، وأَخَصُّ بالشيخ، وأعرَفُ بحديثه،،،
إلى غيرِ ذلك من الأمور التي يَجْزِمون معها بالعِلَّةِ المؤثِّرة في
موضعٍ، وبانتفائها في موضعٍ آخَرَ؛ لا يرتضون طريقَ هؤلاء، ولا طريقَ
هؤلاء».

وقال أبو شَامَةَ المَقْدِسي[13]: «وأئمةُ الحديثِ هم المعتبَرون
القُدْوةُ في فنِّهم؛ فوجَبَ الرجوعُ إليهم في ذلك، وعَرْضُ آراءِ
الفقهاءِ على السننِ والآثارِ الصَّحيحة؛ فما ساعَدَهُ الأَثَرُ فهو
المعتبَرُ، وإلا فلا نُبْطِلُ الخَبَرَ بالرأي، ولا نضَعِّفه إنْ كان على
خلافِ وُجُوهِ الضَّعْفِ من علل الحديثِ المعروفةِ عند أهله، أو بإجماعِ
الكافَّةِ على خلافه؛ فقد يَظْهَرُ ضَعْفُ الحديثِ وقد يخفى. وأقربُ ما
يُؤْمَرُ به في ذلك : أنك إذا رأيتَ حديثًا خارجًا عن دواوينِ الإسلام -
كالموطَّأ، ومسند أحمد، والصَّحيحَيْنِ، وسنن أبي داود، والترمذي،
والنَّسَائي، ونحوها مما تقدَّم ذكرُه ومما لم نذكُرْهُ - فانظُرْ فيه:
فإنْ كان له نظيرٌ في الصحاح والحسان قَرُبَ أَمْرُهُ، وإنْ رأيتَهُ
يُبَايِنُ الأصولَ وارتَبْتَ به فتأمَّلْ رجالَ إسناده، واعتبِرْ
أحوالَهُمْ مِنَ الكُتُبِ المصنَّفَة في ذلك. وأصعبُ الأحوال : أن يكونَ
رجالُ الإسنادِ كلُّهم ثقات، ويكونَ متنُ الحديثِ موضوعًا عليهم، أو
مقلوبًا، أو قد جرى فيه تدليسٌ، ولا يَعْرِفُ هذا إلا النُّقَّادُ من
علماء الحديث ؛ فإنْ كنتَ مِنْ أهله فَبِهِ، وإلا فاسألْ عنه أهلَهُ».

وقال ابن رجب[14]: «أَمَّا أهلُ العلمِ والمعرفة، والسُّنَّةِ والجماعة،
فإنَّما يَذْكُرون عِلَلَ الحديثِ نصيحةً لِلدِّين، وحفظًا لسنَّة النبيِّ
صلى الله عليه وسلم، وصيانةً لها، وتمييزًا مما يَدْخُلُ على رواتها من
الغَلَطِ والسَّهْوِ والوَهَمِ، ولا يوجبُ ذلك عندهم طَعْنًا في غير
الأحاديث المُعَلَّة، بل تَقْوَى بذلك الأحاديثُ السليمةُ عندهم؛ لبراءتها
من العلل، وسلامتها من الآفات، فهؤلاءِ هم العارفونَ بِسُنَّةِ رسول الله
حَقًّا، وهم النقَّاد الجَهابذةُ الذين ينتقدون انتقادَ الصيرفيِّ الحاذقِ
للنَّقْدِ البَهْرَجِ[15] من الخالص، وانتقادَ الجوهريِّ الحاذق للجوهر
مما دُلِّسَ به».

وذكر ابن رجب أيضًا[16] روايةَ أبي إسحاقَ، عن الأسود، عن عائشة؛ قالت:
كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ينام وهو جُنُبٌ، ولا يَمَسُّ ماءً، ثم
قال:
«وهذا الحديثُ مما اتفَقَ أئمةُ الحديث مِن السَّلَفِ على إنكارِهِ على
أبي إسحاق... وقال أحمدُ بن صالحٍ المِصْريُّ الحافظ: لا يَحِلُّ أن يُروى
هَذا الحديثُ؛ يعني: أنَّهُ خطأٌ مقطوعٌ بهِ، فلا تحلُّ روايته مِنْ دونِ
بيانِ علَّته. وأما الفقهاءُ المتأخِّرون، فكثيرٌ مِنهُم نظَرَ إلى ثقة
رجاله، فظنَّ صِحَّتَهُ، وهؤلاءِ يظنُّون أنَّ كلَّ حديث رواه ثقةٌ فهو
صحيحٌ، ولا يتفطَّنون لدقائق علم علل الحديث. ووافقَهم طائفةٌ من
المحدِّثين المتأخِّرين؛ كالطَّحَاويِّ، والحاكم، والبيهقي».اهـ.

وفي هذا دَلاَلةٌ على أهميَّةِ عِلْمِ العلل الذي يقولُ عنه عبدالرحمن ابن
مَهْدي: «لَأَنْ أَعْرِفَ عِلَّةَ حديثٍ هو عندي، أَحَبُّ إليَّ من أن
أكتبَ عشرين حديثًا ليس عندي»[17].

وقال محمد بن عبدالله بن نُمَيْر: قال عبدالرحمن بن مَهْدي: «معرفةُ
الحديثِ إلهامٌ». قال ابن نُمَيْر: «وصَدَقَ! لو قلتَ له: مِنْ أينَ قلتَ؟
لم يكنْ له جوابٌ»(*).

وقال أبو حاتِم الرازي: قال عبدالرحمن بن مَهْدي: «إنكارُنا الحديثَ عند الجهَّالِ كِهَانةٌ»(*).

وقال نُعَيم بن حمَّاد: قلت لعبدالرحمن بن مَهْدي: كيف تَعْرِفُ صحيحَ الحديثِ مِنْ خطئه؟ قال: «كما يَعْرِفُ الطبيبُ المجنونَ»[18].

وقال أبو غالبٍ عليُّ بن أحمدَ بن النَّضْر: سمعتُ عليَّ بن المَدِيني
يقول: أخَذَ عبدالرحمن بن مَهْدي على رجلٍ مِنْ أهلِ البَصْرة - لا
أسمِّيه - حديثًا؛ قال: فغَضِبَ له جماعةٌ؛ قال: فَأَتَوْهُ فقالوا: يا
أبا سعيد، مِنْ أَيْنَ قلتَ هذا في صاحبنا ؟ قال: فغَضِبَ عبدُالرحمنِ
ابنُ مَهْدي، وقال: «أرأيتَ لو أنَّ رجلاً أتى بدينار إلى صَيْرَفِيٍّ،
فقال: انتَقِدْ لي هذا، فقال: هو بَهْرَجٌ، يقولُ له: مِنْ أين قلتَ لي:
إنه بَهْرَج؟! اِلزَمْ عملي هذا عِشْرين سَنَةً حتى تَعْلَمَ منه ما
أَعْلَمُ»[19].

وروى هذه الحكايةَ البخاريُّ عن شيخه عليِّ بن المَديني باختلافٍ يَسِير[20].

وقد رُوِيَ أيضًا نحوُ هذا المعنى عن الإمام أحمد[21].

وقال الخطيبُ البغدادي[22]: «فمِنَ الأحاديثِ ما تَخْفَى عِلَّتُه فلا
يوقَفُ عليها إلا بعد النظرِ الشديد، ومُضِيِّ الزمانِ البعيد».

وقال صالحُ بن محمد البغدادي - المعروفُ بصالحِ جَزَرة -: سمعتُ عليَّ بن
المَدِيني يقول: «رُبَّمَا أدركتُ عِلَّـةَ حديثٍ بعد أربعين سنةً»[23].

وقال الربيع بن خُثَيْم: «إنَّ مِنَ الحديثِ حديثًا له ضَوْءٌ كضوء النهار
تعرفُهُ، وإنَّ مِنَ الحديثِ حديثًا له ظُلمةٌ كظُلْمة الليلِ
تُنْكِرُهُ»[24].

وقال الشافعي[25]: «ولا يُستدلُّ على أكثرِ صِدْقِ الحديثِ وكَذِبِهِ إلا
بصدقِ المُخْبِرِ وكذبه، إلا في الخاصِّ القليلِ من الحديث».

وأوضَحَ البيهقيُّ عبارةَ الشافعيِّ هذه بقوله[26]: «وهذا الذي استثناه
الشافعيُّ لا يقف عليه إلا الحُذَّاقُ مِنْ أهل الحِفْظ؛ فقد يَزِلُّ
الصدوقُ فيما يكتبُهُ، فيَدْخُلُ له حديثٌ في حديث، فيصيرُ حديثٌ رُوِيَ
بإسناد ضعيفٍ مُرَكَّبًا على إسنادٍ صحيحٍ. وقد يَزِلُّ القَلَمُ، ويُخْطئ
السمع، ويَخُونُ الحِفْظ؛ فيروي الشاذَّ من الحديث عن غير قَصْدٍ،
فَيَعْرِفُهُ أهلُ الصَّنْعة الذين قيَّضَهُمُ اللهُ تعالى لحفظِ سُنَنِ
رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على عباده؛ بِكَثْرة سماعه، وطُولِ
مُجالستِهِ أهلَ العِلْمِ به ومُذاكَرتِهِ إيَّاهم». اهـ.

ولذا كان أهلُ الحديث لا يُسلِّمون بكل ما يُرْوَى وإنْ كان صحيحَ السَّنَدِ، حتى يَعْرِضوه على أهل الاختصاص:
قال الأعمش: «كان إبراهيمُ[27] صَيْرَفِيَّ الحديث، فكنتُ إذا سمعتُ الحديثَ مِنْ بعضِ أصحابنا، أتيتُهُ فعرضتُهُ عليه»[28].
وقال جريرُ بن عبدالحميد: «كنتُ إذا سمعتُ الحديثَ جِئْتُ به إلى المغيرة، فعرضْتُهُ عليه؛ فما قال لي: أَلْقِهِ، أَلْقَيْتُهُ»[29].
وقال قَبِيصة بن عُقْبة: «رأيتُ زائدةَ يَعْرِضُ كُتُبَهُ على سُفْيان
الثَّوْري، ثم التفَتَ إلى رجل في المَجْلِس فقال: ما لك لا تَعْرِضُ
كتبَك على الجَهابِذَةِ كما نَعْرِض ؟!»[30].
وقال زائدة: «كنا نأتي الأعمشَ، فيحدِّثنا، فَيُكْثِرُ، ونأتي سُفْيانَ
الثوريَّ فنذكُرُ تلك الأحاديثَ له، فيقولُ: ليس هذا مِنْ حديثِ الأعمش.
فنقول: هو حدَّثنا به الساعةَ! فيقول: اذهَبُوا فقولوا له إنْ شئتم. فنأتي
الأعمشَ، فَنُخْبِره بذلك، فيقول: صَدَقَ سفيان؛ ليس هذا مِنْ حديثنا»[31].
وقال الأوزاعيُّ: «إنْ كنا لَنَسْمَعُ الحديثَ فَنَعْرِضُهُ على أصحابنا
كما نَعْرِضُ الدرهمَ الزائفَ على الصَّيارفةِ؛ فما عَرَفُوا أَخَذْنا،
وما أَنْكَروا تَرَكْنا»[32].
وقال عمرو بن قيس: «ينبغي لصاحبِ الحديثِ أنْ يكونَ مِثْلَ الصيرفيِّ الذي يَنْقُدُ الدرهمَ الزائفَ والبَهْرَجَ، وكذا الحديثُ»[33].
وروى أبو حاتِمٍ[34]، عن محمود بن إبراهيم ابن سُمَيْع؛ قال: سمعتُ أحمد
بن صالح يقول: معرفةُ الحديثِ بمنزلةِ معرفة الذَّهَبِ والشَّبَه؛ فإنَّ
الجَوْهَرَ إنما يَعْرِفُهُ أهلُهُ، وليس للبصير فيه حُجَّةٌ إذا قيل له:
كيف قلتَ: «إن هذا بائنٌ» ؟ يعني: الجيِّدَ أو الرديءَ. اهـ.
وقال محمد بن عمرو بن العَلاَء الجُرْجاني: حدَّثنا يحيى بن مَعِين؛ قال:
«لولا الجَهابذةُ لَكَثُرَتِ السَّتُّوقَةُ[35] والزُّيوفُ في روايةِ
الشريعة، فمتى أحبَبْتَ فهَلُمَّ ما سَمِعْتَ حتى أَعْزِلَ لك منه نقدَ
بيت المال، أَمَا تَحْفَظُ قولَ شُرَيْح: «إنَّ للأثرِ جَهابذةً
كجَهابِذَة الوَرِق»؟![36].
وقال محمد بن صالح الكِيلِيني[37]: سمعتُ أبا زرعة وقال له رجلٌ: ما
الحُجَّةُ في تعليلكم الحديث؟ قال: «الحُجَّةُ أَنْ تسألَني عن حديثٍ له
عِلَّةٌ، فأذكُرَ علَّته، ثم تَقْصِدَ ابنَ وارَة - يعني: محمد بن مسلم بن
وارَة - وتسألَهُ عنه، ولا تُخْبِرُهُ بأنك قد سألتَني عنه، فيذكُرَ
علَّته، ثم تَقْصِدَ أبا حاتِم فيعلِّله، ثم تُمَيِّزَ كلامَ كلٍّ منَّا
على ذلك الحديث؛ فإنْ وجدتَّ بيننا خلافًا في علَّته فاعلَمْ أنَّ كلًّا
منَّا تكلَّم على مُراده، وإنْ وجدتَّ الكلمةَ متفقةً فاعلَمْ حقيقةَ هذا
العلم». قال: ففعَلَ الرجلُ، فاتفقَتْ كلمتُهم عليه، فقال: أشهَدُ أنَّ
هذا العلمَ إِلْهَام[38].
وقال أبو حاتِم الرازي: «مَثَلُ معرفةِ الحديثِ كمَثَلِ فَصٍّ ثَمَنُهُ
مئةُ دينار، وآخَرَ مِثْلِهِ على لونه ثَمَنُهُ عَشَرَةُ دراهم»[39].
وقال عبدالرحمن بن أبي حاتِم الرازي[40]: سمعتُ أبي _ح يقول: «جاءني رجلٌ
من جِلَّةِ أصحابِ الرأي - مِنْ أهلِ الفَهْمِ منهم - ومعه دَفْتَرٌ،
فعرَضَهُ عليَّ، فقلتُ في بعضها: هذا حديثٌ خطأٌ؛ قد دخَلَ لصاحبِهِ حديثٌ
في حديث، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ باطلٌ، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ منكر،
وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ كَذِبٌ، وسائرُ ذلك أحاديثُ صحاحٌ، فقال: مِنْ
أين عَلِمْتَ أنَّ هذا خطأٌ، وأنَّ هذا باطلٌ، وأن هذا كذبٌ؛ أخبرَكَ راوي
هذا الكتابِ بأني غَلِطْتُ، وأنِّي كَذَبْتُ في حديثِ كذا؟! فقلتُ: لا، ما
أدري هذا الجُزْءُ مِنْ روايةِ مَنْ هو؟ غيرَ أني أَعْلَمُ أنَّ هذا خطأٌ،
وأنَّ هذا الحديثَ باطلٌ، وأنَّ هذا الحديثَ كَذِبٌ، فقال: تدَّعي الغيبَ؟
قال: قلتُ: ما هذا ادعاءُ الغَيْبِ، قال: فما الدليلُ على ما تقول؟ قلتُ:
سَلْ عما قلتُ مَنْ يُحْسِنُ مِثْلَ ما أُحْسِنُ، فإنِ اتفقنا عَلِمْتَ
أنَّا لم نُجَازِفْ، ولم نقله إلا بفَهْم، قال: مَنْ هو الذي يُحْسِنُ
مِثْلَ ما تُحْسِن؟ قلتُ: أبو زُرْعة، قال: ويقولُ أبو زرعة مثلَ ما قلتَ؟
قلتُ: نعم، قال: هذا عَجَبٌ! فأخذ فكتَبَ في كاغَذٍ[41] ألفاظي في تلك
الأحاديث، ثم رجَعَ إليَّ وقد كتَبَ ألفاظَ ما تكلَّم به أبو زرعة في تلك
الأحاديث: فما قلتُ: إنه باطلٌ، قال أبو زرعة: هو كَذِبٌ، قلتُ: الكَذِبُ
والباطلُ واحدٌ، وما قلتُ: إنه كذبٌ، قال أبو زرعة: هو باطلٌ، وما قلتُ:
إنه منكرٌ، قال: هو منكرٌ، كما قلتُ، وما قلتُ: إنه صَحَاحٌ، قال أبو
زرعة: هو صَحَاحٌ[42]. فقال: ما أعجَبَ هذا؛ تَتَّفِقان مِنْ غيرِ مواطأةٍ
فيما بينكما!! فقلتُ: فقد بان لك أنَّا لم نُجازف، وإنما قلناه بِعِلْمٍ
ومعرفةٍ قد أُوتِينَا، والدليلُ على صحَّة ما نقوله: أنَّ دينارًا
نَبَهْرَجًا[43] يُحمَلُ إلى الناقدِ، فيقول: هذا دينار نَبَهْرَجٌ، ويقول
لدينار: هو جيِّدٌ، فإنْ قيل له: مِنْ أين قلتَ: إنَّ هذا نَبَهْرَجٌ، هل
كنتَ حاضرًا حين بُهْرِجَ هذا الدينارُ؟ قال: لا، فإنْ قيل له:
فأَخْبَرَكَ الرجلُ الذي بَهْرَجَهُ: إنِّي بَهْرَجْتُ هذا الدينارَ ؟
قال: لا، قيل: فَمِنْ أين قلتَ: إنَّ هذا نَبَهْرَجٌ ؟ قال: عِلْمًا
رُزِقْتُ. وكذلك نحن رُزِقْنَا معرفةَ ذلك.
قلتُ له: فتَحْمِلُ فَصَّ ياقوتٍ إلى واحد من البُصَراء من
الجَوهَرِيِّين، فيقولُ: هذا زُجَاجٌ، ويقولُ لمثله: هذا ياقوتٌ. فإنْ قيل
له: مِنْ أين عَلِمْتَ أنَّ هذا زجاجٌ، وأنَّ هذا ياقوتٌ؟ هل حَضَرْتَ
الموضعَ الذي صُنِعَ فيه هذا الزجاجُ؟ قال: لا، قيل له: فهل أعلمَكَ الذي
صاغَهُ بأنه صاغ هذا زجاجًا؟ قال: لا، قال: فمِنْ أين علمتَ؟ قال: هذا
عِلْمٌ رُزِقْتُ، وكذلك نحن رُزِقْنَا علمًا لا يتهيَّأُ لنا أن
نُخْبِرَكَ كيف علمنا بأنَّ هذا الحديثَ كذب، وهذا حديثٌ منكر، إلا بما
نَعْرِفُهُ».
ثم قال ابن أبي حاتِم: «تُعْرَفُ جَودةُ الدينار بالقياس إلى غيره؛ فإنْ
تخلَّف عنه في الحُمْرَةِ والصَّفَاءِ، عُلِمَ أنه مَغْشوش. ويُعْلَمُ
جنسُ الجَوْهَرِ بالقياس إلى غيره؛ فإنْ خالفه بالماء والصَّلابة، عُلِمَ
أنه زجاج. ويُقاس صِحَّةُ الحديثِ بعدالة ناقليه، وأنْ يكونَ كلامًا
يَصْلُحُ أنْ يكونَ مِنْ كلامِ النُّبُوَّةِ. ويُعْلَمُ سقمُهُ وإنكاره
بتفرُّدِ مَنْ لم تَصِحَّ عدالتُهُ بروايته، والله أعلم».اهـ.
وذكر أبو عبدالله الحاكم في "معرفة علوم الحديث"[44]: معرفةَ علل الحديث،
فقال: «وهو عِلْمٌ برأسه، غيرُ الصحيح والسقيم والجَرْحِ والتعديل...
وإنما يعلَّل الحديثُ مِنْ أوجُهٍ ليس للجَرْح فيها مَدْخَل؛ فإنَّ حديثَ
المجروح ساقطٌ واهٍ، وعلَّةُ الحديثِ تَكثُرُ في أحاديث الثقات؛ أن
يحدِّثوا بحديثٍ له علَّة، فيَخْفَى عليهم علمُهُ، فيصيرُ الحديثُ
معلولاً، والحُجَّةُ فيه عندنا: الحفظُ والفَهْم والمعرفةُ لا غير».
وفي موضعٍ آخَرَ[45] ذكَرَ معرفةَ الصَّحيح والسقيم، فقال: «وهذا النوعُ
مِنْ هذه العلومِ غيرُ الجَرْحِ والتعديل الذي قدَّمنا ذِكْرَه، فرُبَّ
إسنادٍ يَسْلَمُ من المجروحين غيرُ مُخَرَّجٍ في الصحيح، فمِنْ ذلك...»،
ثم ذكر ثلاثةَ أحاديثَ معلولةً، وتكلَّم على عللها، ثم قال: «ففي هذه
الأحاديثِ الثلاثةِ قياسٌ على ثلاثِ مِئَةٍ، أو ثلاثةِ آلاف، أو أكثَرَ من
ذلك: أنَّ الصَّحيح لا يُعْرَفُ بروايته فقطْ، وإنما يُعْرَفُ بالفَهْمِ
والحفظِ وكثرةِ السَّمَاع، وليس لهذا النوع من العلم عَوْنٌ أكثَرُ مِنْ
مذاكرةِ أهلِ الفَهْم والمعرفة؛ لِيَظْهَرَ ما يخفى من عِلَّةِ الحديث،
فإذا وُجِدَ مِثْلُ هذه الأحاديثِ بالأسانيد الصَّحيحة غَيْرَ مخرَّجة في
كتابَيِ الإمامَيْنِ البخاري ومسلم؛ لَزِمَ صاحبَ الحديثِ التنقيرُ عن
علَّته، ومذاكرةُ أهلِ المعرفةِ به لِتَظْهَرَ عِلَّته».اهـ.
وبوَّب الخطيبُ البغداديُّ[46] بابًا ذكَرَ فيه أنَّ المعرفةَ بالحديثِ
ليستْ تلقينًا وإنما هو عِلْمٌ يُحْدِثُهُ اللهُ في القلب، ثم قال:
«أَشْبَهُ الأشياءِ بعلمِ الحديث: معرفةُ الصَّرْفِ ونقدُ الدنانيرِ
والدراهم؛ فإنه لا يُعْرَفُ جَودةُ الدينارِ والدراهم بلونٍ، ولا مَسٍّ،
ولا طَرَاوةٍ، ولا دَنَسٍ، ولا نَقْشٍ، ولا صفةٍ تعودُ إلى صِغَرٍ أو
كِبَرٍ، ولا إلى ضِيقٍ أو سَعَة، وإنما يَعْرِفه الناقدُ عند المُعاينة،
فَيَعْرِفُ البَهْرَجَ والزائفَ، والخالصَ والمغشوشَ، وكذلك تمييزُ
الحديث؛ فإنَّه عِلْمٌ يخلقُهُ اللهُ تعالى في القلوبِ بعد طولِ المُمارسة
له والاعتناءِ به».
وقال ابنُ رجب[47] بعد ذِكْرِ بعض الأحاديث المعلولة: «وإنما تُحْمَلُ
مِثْلُ هذه الأحاديثِ - على تقدير صحَّتها - على معرفةِ أئمَّةِ الحديثِ
الجَهَابذةِ النُّـقَّـادِ الذين كَثُرَتْ ممارستُهُمْ لكلامِ النبيِّ صلى
الله عليه وسلم وكلامِ غيره، ولحالِ رواةِ الأحاديث ونَقَلَةِ الأخبار،
ومعرفَتِهِمْ بِصِدْقهم وكذبهم، وحِفْظهم وضَبْطهم؛ فإنَّ هؤلاءِ لهم
نَقْدٌ خاصٌّ في الحديث يَخْتَصُّون بمعرفته، كما يَخْتَصُّ الصيرفيُّ
الحاذقُ بمعرفة النقود؛ جَيِّدها ورديئها، وخالِصِهَا ومَشُوبها،
والجَوهريُّ الحاذقُ في معرفةِ الجَوْهر بانتقادِ الجَوَاهر، وكلٌّ مِنْ
هؤلاءِ لا يمكنُ أن يعبِّر عن سببِ معرفته، ولا يقيمُ عليه دليلاً لغيره،
وآيةُ ذلك: أنه يُعْرَضُ الحديثُ الواحدُ على جماعةٍ ممَّن يَعْلَمُ هذا
العلم، فَيَتَّفِقون على الجَوَابِ فيه من غير مُواطأة، وقد امتُحِنَ هذا
منهم غَيْرَ مَرَّة في زَمَنِ أبي زُرْعة وأبي حاتم، فوُجِدَ الأَمْرُ على
ذلك، فقال السائل: أَشْهَدُ أنَّ هذا العلمَ إلهامٌ....
وبكلِّ حالٍ: فالجَهابذةُ النُّقَّاد العارفون بعللِ الحديثِ أفرادٌ قليلٌ
من أهل الحديث جِدًّا، وأولُ مَنِ اشتُهِرَ في الكلام في نقد الحديث: ابنُ
سِيرين، ثم خلَفَهُ أيوبُ السَّخْتِياني، وأخَذَ ذلك عنه شُعْبةُ، وأخَذَ
عن شُعْبةَ يحيى القَطَّانُ وابنُ مَهْدي، وأخَذَ عنهما أحمدُ وعليُّ بنُ
المَديني وابنُ مَعِين، وأخَذَ عنهم مثلُ البخاريِّ وأبي داود وأبي زرعة
وأبي حاتِم، وكان أبو زرعة في زمانه يقول: قلَّ مَنْ يَفْهَمُ هذا، ما
أعزَّهُ! إذا رَفَعْتَ هذا عن واحدٍ واثنين، فما أقلَّ ما تَجِدُ مَن
يُحْسِنُ هذا! ولمَّا مات أبو زرعة قال أبو حاتِم: ذهَبَ الذي كان
يُحْسِنُ هذا المعنى - يعني: أبا زرعة - ما بقي بِمِصْرَ ولا بالعراقِ
واحدٌ يُحْسِنُ هذا. وقيل له بعد موت أبي زرعة: يُعْرَفُ اليومَ واحدٌ
يَعْرِفُ هذا؟ قال: لا.
وجاء بعد هؤلاءِ جماعةٌ، منهم: النَّسَائيُّ، والعُقَيْلي، وابنُ عَدِيٍّ،
والدَّارَقُطْني، وقَلَّ مَنْ جاء بعدهم مَنْ هو بارعٌ في معرفة ذلك، حتى
قال أبو الفَرَجِ ابنُ الجَوْزي في أول كتابه "الموضوعات"[48]: قَلَّ من
يَفْهَمُ هذا، بل عُدِمَ، والله أعلم».اهـ.
وذكر الحافظُ ابن حجر[49] عن العَلاَئي أنه قال: «وهذا الفَنُّ أغمضُ
أنواعِ الحديث، وأَدَقُّها مَسْلَكًا، ولا يقومُ به إلا مَنْ منحَهُ اللهُ
فَهْمًا غائصًا، واطِّلاَعًا حاويًا، وإدراكًا لمراتبِ الرواة، ومعرفةً
ثاقبة؛ ولهذا لم يَتَكَلَّمْ فيه إلا أفرادُ أئمَّةِ هذا الشأنِ وحذاقُهم؛
كابنِ المَدِينيِّ، والبخاري، وأبي زُرْعة، وأبي حاتِم، وأمثالهم، وإليهم
المَرْجِعُ في ذلك؛ لِمَا جعَلَ اللهُ فيهم مِنْ معرفةِ ذلك والاطِّلاعِ
على غَوامضه، دون غيرهم مِمَّنْ لم يُمارِسْ ذلك. وقد تَقْصُرُ عبارةُ
المعلِّل منهم، فلا يُفْصِحُ بما استقرَّ في نفسه مِنْ تَرجيحِ إحدى
الروايتَيْن على الأُخْرى، كما في نَقْدِ الصَّيرفي سواء، فمتى وَجَدْنَا
حديثًا قد حكَمَ إمامٌ من الأئمَّة المَرجوعِ إليهم بتعليله، فالأَوْلَى
اتِّباعُهُ في ذلك كما نتَّبِعُهُ في تصحيح الحديثِ إذا صَحَّحَـهُ».
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.


[1] أخرجه سعيد بن منصور - كما في "تفسير القرطبي" (1/39) - والمروزي في
"السنة" (104)، والخطيب في "الكفاية" (ص14)، والهروي في "ذم الكلام"
(214). ومن طريق سعيد بن منصور أخرجه ابن شاهين في "السنة" (48)، والهروي
في الموضع السابق.

[2] أخرجه سعيد بن منصور - كما في الموضع السابق من "تفسير القرطبي" -
والدارمي في "سننه" (587)، والخطيب في الموضع السابق (1/39)، والمروزي في
"السنة" (103)، والهروي في "ذم الكلام" (211). ومن طريق سعيد بن منصور
أخرجه ابن شاهين في "السنة" (48)، والهروي في الموضع السابق.

[3] أخرجه الخطيب في "الكفاية" (ص15)، والهروي في "ذم الكلام" (213)، وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (1/252).

[4] أخرجه الدارمي (588)، والمروزي في "السنة" (102)، والخطيب في "الكفاية" (ص12 و15)، والهروي في "ذم الكلام" (216).

[5] أخرجه الخطيب في "الكفاية" (ص12)، والهروي في "ذم الكلام" (217).

[6] كذا في الصحيحين، بإشباع كسرة تاء المخاطبة، وهي لغةٌ حكاها الخليل
الفراهيدي. انظر التعليق على المسألة رقم (1243) من هذا الكتاب.

[7] أخرجه البخاري في "صحيحه" (4886)، ومسلم (2125). وقوله: «لم نجامعها»
هذا لفظُ مسلم. واختلفت روايات البخاري، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح"
(8/631): «قوله: ما جامعتُهَا، يَحْتمل أن يكون المراد بالجماعِ:
الوَطْءَ، أو الاجتماعَ، وهو أبلغ، ويؤيِّده قوله في رواية
الكُشْمَيْهَني: ما جامَعَتْنَا، وللإسماعيلي: ما جامَعَتْنِي». اهـ.

[8] تجدها مبسوطة عند الخطيب البغدادي في كتابه "تقييد العلم"، وعند محمد عجاج الخطيب في كتابه "السنة قبل التدوين"، وغيرهما.

[9] جاء في "مقدمة صحيح مسلم" (1/15) عن عبدالله بن المبارك _ح أنه قال: «الإسنادُ من الدين، ولولا الإسنادُ لقال من شاء ما شاء».

[10] في "مجموع الفتاوى" (13/352-353). وانظر: "مقدمة أصول التفسير" (ص68- 74).

[11] ما بين المعقوفين سقط من "مجموع الفتاوى" و"مقدمة أصول التفسير"،
فأثبتناه من "توجيه النظر" للشيخ طاهر الجزائري (1/328)؛ لنقله هذا
النَّصَّ عنه.

[12] في "تهذيب السنن" (10/25).

[13] في "مختصر المؤمل" (ص55).

[14] في "شرح علل الترمذي" (2/894).

[15] البَهْرَجُ - ويقال: النَّبَهْرَج -: هو الرديءُ من الشيء، وكلُّ
رديء من الدراهم وغيرها: بَهْرَج. انظر "لسان العرب" (2/217و373).

[16] في "فتح الباري" (1/362-363).

[17] انظر مقدمة المصنف لهذا الكتاب "العلل" (ص3-4).
(*) المرجع السابق.

[18] "دلائل النبوة" للبيهقي (1/31).

[19] "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع" (1838).

[20] رواها البيهقي في "دلائل النبوة" (1/31)، بسنده إلى البخاري.

[21] انظر "جامع العلوم والحكم" (ص484).

[22] في "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع" (2/385).

[23] المرجع السابق (1841).

[24] أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (6/186)، وهناد في "الزهد" (513)، ويعقوب
ابن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (2/327)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل"
(ص316)، والحاكم في "المعرفة" (ص62)، والهروي في "ذم الكلام" (5/45)، ومن
طريق يعقوب بن سفيان أخرجه الخطيب في "الكفاية" (ص431).

[25] في "الرسالة" (ص399).

[26] في "دلائل النبوة" (1/30).

[27] يعني: إبراهيم بن يزيد النخعي.

[28] أخرجه الحاكم في "المعرفة" (ص16)، والخليلي في "الإرشاد" (2/556)، وأبو نعيم في "الحلية" (4/219-220).

[29] "الكفاية، في علم الرواية" للخطيب (ص431).

[30] "الآداب الشرعية" لابن مفلح (2/127).

[31] مقدمة "الجرح والتعديل" (ص71). وهذا يدل - فيما يظهر - على أن الأعمش دلَّس هذه الأحاديث.

[32] "تاريخ دمشق" (35/185-186)، و"الكفاية" للخطيب (ص431)، و"الآداب الشرعية" (1/126)، و"جامع العلوم والحكم" (ص484).

[33] "جامع العلوم والحكم" (ص484).

[34] انظر مقدمة المصنف لهذا الكتاب "العلل" (ص184).

[35] السَّتُّوقَةُ: الدراهم الرديئة المغشوشة. انظر "المُغْرِب" للمطرِّزي (1/382).

[36] "دلائل النبوة" للبيهقي (1/31)، و"الآداب الشرعية" لابن مفلح (2/127).

[37] انظر: "توضيح المشتبه" (7/338).

[38] أخرجه أبو عبد الله الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص112-113)،
والخطيب في "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع" (1840). ومن طريق الحاكم
أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (55/392).

[39] مقدمة "العلل" لابن أبي حاتم (ص183-184).

[40] في "مقدمة الجرح والتعديل" (ص349-351).

[41] الكاغَذ - بالذال المعجمة - لغةٌ في الكاغَد - بالدال المهملة - وهو:
القِرْطاسُ الذي يُكتَب فيه. انظر "لسان العرب" (3/505)، و"القاموس
المحيط" (ص402).

[42] قوله: «صَحَاح» في الموضعين: بفتح الصاد وتخفيف الحاء، وهو لغةٌ في
صَحِيح، ويُجْمَعَان على «صِحَاح» بكسر الصاد. انظر: "المصباح المنير"
(ص333)، و"مقدمة صحاح الجوهري" لأحمد عبدالغفور عطار (ص111/ ضبط اسم
"الصحاح").

[43] تقدّم أنه والبهرج بمعنًى واحد، وهو الزائف.

[44] في النوع السابع والعشرين منه (ص112-113)، وانظر "النكت" لابن حجر (2/710).

[45] "معرفة علوم الحديث" (ص58-60)، في النوع التاسع عشر.

[46] في "الجامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع" (2/382).

[47] في "جامع العلوم والحكم" (ص483-485).

[48] (1/145).

[49] في "النكت" (2/711، 777).

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://moslim.3oloum.org
 
أهمية علم علل الحديث (مقالة للشيخ سعد بن عبد الله الحميد)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى أهل السنة و الجماعة السلفي الجزائري :: الاسلام ديني و سنة النبي صلى الله عليه و سلم منهج حياتي :: قسم علوم السنة النبوية-
انتقل الى: